مجمع البحوث الاسلامية
864
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
وجها آخر ، وهو أنّ المراد بآية اللّيل والنّهار : نفس اللّيل والنّهار ، لا الشّمس والقمر . وعليه فهي ساكتة عن ذكر الشّمس والقمر . وهذا أنسب لما بعده : لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ لأنّه راجع إلى النّهار ، والأوّل أنسب بآخر الآية : وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ، لأنّ عدد السّنين يعلم بالشّمس والقمر أوّلا ثمّ بسواد اللّيل وضياء النّهار . وأيضا إنّه موافق للآية الأولى حيث فرّع فيها العلم بالسّنين والحساب على منازل الشّمس والقمر . 2 - جاء في الآيتين عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ دون ( عدد السّنين والأيّام ) الّذي فسّروها به ، والسّرّ فيه - كما أشار إليه النّسفيّ - : أنّ عدد السّنين يشمل الشّهور والأيّام ، أمّا ( الحساب ) فيعمّ حساب الآجال وكلّ ما يحتاج إلى العدّ والحساب - وهو الأقرب - وحمله ابن عاشور على حساب القمر . لأنّ حساب السّنين خاصّ بالشّمس ، وجعل « اللّام » للعهد أي الحساب المعروف ، وهو حساب الأيّام والأشهر ، إذ السّنة الشّرعيّة قمريّة ، ولأنّ الضّمير في ( قدّره ) ( 90 ) عائد على « القمر » وللشّمس حساب آخر وهو حساب الفصول ، كما جاء في الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ فمن معرفة اللّيالي تعرف الأشهر ، ومن معرفة الأشهر تعرف السّنة ، كذا أفاد . وأرجعه بعضهم إلى الشّمس والقمر معا بتقدير « كلّ منهما » والأمر سهل . 3 - وقال ابن عاشور أيضا : « وفي هذه الآية إشارة إلى أنّ معرفة ضبط التّاريخ نعمة أنعم اللّه بها على البشر » . ب - حساب الشّمس والقمر ( 92 ) : الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ * وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ . ( 93 ) : فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ . وفيهما بحوث أيضا : 1 - في لفظ « حسبان » قولان : أحدهما أنّه مصدر كالحساب ، مثل السّكران والغفران والطّغيان . يقال : حسبته حسابا وحسبانا ، كما يقال : كفرته كفرانا ، وغفرته غفرانا . وثانيهما : أنّه جمع « حساب » مثل « الشّهاب والشّهبان » ، والأوّل أقرب معنى في الآيتين ، كما يأتي . 2 - « حسبان » جاء نكرة فيهما : مجرورا في الأولى : ( بحسبان ) خبرا للمبتدأ ، وهو الشّمس والقمر - بناء على قراءة الرّفع فيهما - أي الشّمس والقمر - يجريان بحساب معيّن ، ومنصوبا في الثّانية مفعولا : وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً أي وسيلة للحساب . 3 - ومقتضى ذلك أنّ « حسبان » فيهما مصدر مفرد لا جمعا ، إلّا أنّ ظاهر الأولى أنّ « حسبان » عبارة عن حساب جريان الشّمس والقمر ، أي يجريان ويتحرّكان بحساب معيّن وتقدير منظّم . وظاهر الثّانية أنّهما موجبان لحساب السّنين والأيّام . فالحساب في الأولى لنفس الشّمس والقمر ، وفي الثّانية لما يترتّب عليهما من حساب الأوقات ، وهذا يستفاد من الأولى أيضا